قراءة فلسطين: خلق مساحة للقراءة عن فلسطين

«قراءة فلسطين»

خلق مساحة للقراءة عن فلسطين

داناي فونسيكا، ودانا دحيلية

٢٤ نوفمبر ٢٠٢٥

حقق نادي قراءة فلسطين، بالإسبانية للكتاب، نجاحاً باهراً في المكتبات العامة في إقليم كتالونيا. ويخطط منظموه، الآن، لإقامة ورشات عمل لموظفي تلك المكتبات ومتطوعيها؛ لتعليمهم على كيفية إقامة نوادي قراءة خاصة بهم تحت شعار ؛

«اقرأ فلسطين”

في هذه المقابلة، يحاولن بعض مُنظّمات هذا المشروع (وهنّ: داناي فونسيكا، ودانا دحيلية) الردّ على بعض الأسئلة المتعلقة بـ كيفية نشأة هذه المبادرة، وكيفية عملها، وما هي الخطوات القادمة لهنّ

هل من الممكن أن تتحدثن قليلاً عنكنّ، وعن الكيفية التي بدأ فيها مشروع النوادي والفعاليات الأدبية؟ مَا الذي ألهمكما للقيام به؟

دناي فونسيكا: أنا باحثة ما بعد الدكتوراه، ومحاضرة في جامعة برشلونة. يُركّز عملي على الفن والأدب الفلسطيني، وخاصة المتعلق بـ “الجندر”. كما أنني أستاذة في قسم اللغة العربية، وفي مركز للبحث في النظرية والنوع الاجتماعي والجنس

دانا دحيلية: أما أنا، فبدأتُ مؤخراً بدراسة الدكتوراه في جامعة برشلونة، حيث تشرف دناي على أطروحتي، مع أساتذة آخرين. يركّز بحثي على الأدب الفلسطيني، وتحديداً على “أدب المقاومة

دناي ودانا: نشأة فكرة نوادي القراءة هذه في بابيروس، وهي جمعية ثقافية في سيلرا (جيرونا). تأسست بابيروس؛ بهدف جمع الكتب المستعملة، ومشاركتها مع القُرّاء، وإعادة الحياة لها، وبالتالي، تعزيز الأنشطة الثقافية والاجتماعية. 

في عام ٢٠٢٣، نُظّمت سلسلة من الأفلام الفلسطينية، بالتعاون مع المنظمة للتضامن والتنمية والسلام (سودباو)، وهي جمعية مهتمة بـ بالتضامن والتعاون، وبتنظيم مهرجان موسترا للسينما العربية والمتوسطية في كتالونيا، وهو مهرجان سينمائي يُقام سنوياً في برشلونة، ونتعاون في تنظيمه مع جامعة برشلونة أيضاً. لاقت سلسلة الأفلام تلك استحساناً واهتماماً كبيرين من المجتمع المحلي، ما جعل جمعيتي بابيروس وسودباو يفكرن في إنشاء نوادي للقراءة عن فلسطين. وتواصلوا معنا، من خلال جامعة برشلونة، وبدأنا للتخطيط للمشروع معاً

والهدف الرئيس لهذه النوادي هو تقريب النّاس من القصص والحكايات الفلسطينية الواقعية، ومشاركة سرديتهم من خلال الأدب. لم يكن هدفنا، أبداً، إنشاء نوادي قراءة أكاديمية بحتة، بل كان هدفنا خلق مساحة معرفية مفتوحة، ومتاحة، للجميع

والهدف الرئيس لهذه النوادي هو تقريب النّاس من القصص والحكايات الفلسطينية الواقعية، ومشاركة سرديتهم من خلال الأدب. لم يكن هدفنا، أبداً، إنشاء نوادي قراءة أكاديمية بحتة، بل كان هدفنا خلق مساحة معرفية مفتوحة، ومتاحة، للجميع. ورأينا في منطقة سيلرا المكان الأمثل لفعل ذلك؛ فـ سيلرا بلدة صغيرة، اعتاد أهلها على الجلسات القرائية، وتبادل الكتب فيما بينهم، والالتزام في نوادي القراءة، التي تنظمها جمعية بابيروس. وخلال جلسات القراءة، لم يكتشف المشاركون القيمة الفنية والأدبية للأعمال الفلسطينية (كجزء من الأدب العالمي) فقط، بل أتيحت لهم الفرصة أيضاً لطرح الأسئلة، والتعرّف أكثر على السياق الحياتي في فلسطين.

حقق نادي القراءة نجاحاً كبيراً، ما جعلنا نقرر طرح الفكرة على المكتبات العامة في كتالونيا. وحظيت فكرتنا باهتمام كبير. وسنقدم في هذا العام ورش عمل لموظفي المكتبات والمتطوعين حول آلية العمل مع مثل هذه النوادي. وبالإضافة إلى ذلك، خططنا لعمل بعض البرامج للعام القادم، وفي مختلف مكتبات كتالونيا، وسنتولى نحن التعاون على العمل عليها.

لماذا المكتبات العامة؟ ما الفرق بين تنظيم هذه اللقاءات في مكتبة عامة أو في متجر بيع الكتب أو في جامعة؟

دناي ودانا: في الواقع، فإنّ جمعية بابيروس، التي أسهمت في إطلاق المشروع، هي مساحة تجمع بين المكتبات العامة ومتاجر الكُتب. وفي حالة البيع، يبيعون الكتاب بـ يورو واحد فقط، وهم بذلك يُنفذّون مشروعاً لإنقاذ الكتب، ومنحها حياة جديدة. ويكمن الاختلاف الكبير في طبيعة الجمهور؛ فهم ليسوا جامعيين. فالمشاركون أُناس ملتزمون جداً بممارسة القراءة، ومن تجربتنا، فهم يتعاملون مع الكتب باهتمام وحساسية نعشقها. فهم لا يقرأون لدوافع أكاديمية، بل يقرأون بدافع الاهتمام المُطلق بالقراءة نفسها، وبهدف المتعة فقط، لا غير.

ومن الجوانب المهمة الأخرى أن الكتب التي نختارها مُستعارة من نظام المكتبات العامة في كتالونيا، وليست مُشتراة. وهذا يُعزز الطابع التنوّعي لجمعية بابيروس، والذي لا يهدف إلى اقتناء الكتب، بل إلى جعلها في متناول الجميع، وخلق تجربة قراءة جماعية.

وما نُقدّره أكثر من غيره هو طرح الناس لأسئلة في غاية الأهمية، أسئلة قد لا يجرؤون على طرحها في بيئة “جامعية”، أو في بيئة أكثر “نخبوية”. وبالنسبة لنا، هذه تجربة تعليمية ثريّة: يلاحظ القُرّاء تفاصيل لا ينتبه لها الآخرون، أو ربما تثير قراءتهم قضايا وموضوعات نميل، عادةً، إلى التسليم بها. وبهذا، نشعر أننا أكثر من تعلمنا من ذلك كله.

وهذا يُعزز الطابع التنوّعي لجمعية بابيروس، والذي لا يهدف إلى اقتناء الكتب، بل إلى جعلها في متناول الجميع، وخلق تجربة قراءة جماعية

كيف تخترن الكتب التي تُقرأ، وتُناقش؟

دناي ودانا: نتبع معيارين رئيسيين عند اختيار الكتب. المعيار الأول؛ أن تكون الكُتب مترجمة إلى الكتلانية أو الإسبانية. والثاني؛ أن تكون جزءاً من نظام المكتبات العامة؛ حتى يتمكن الناس من الوصول إليها، بكل سهولة.  وبعد استيفاء هذين الشرطين، نحاول اختيار الأعمال التي تُمثل فترات زمنية ومواضيع وأصوات مختلفة؛ سعياً لتحقيق التوازن فيما بينها، ويتحقق شرط التنوّع المعرفي.

ففي الدورة الأولى من هذا المشروع، اخترنا، على سبيل المثال، رواية “رجال في الشمس” لـ غسان كنفاني، و”تفصيل ثانوي” لـ عدنية شبلي، و”رأيتُ رام الله” لـ مريد البرغوثي، ورواية “الباريسي” لـ إيزابيلا حمّاد. ويتيح لنا هذا المزج بين ذكور وإناث، ومن أجيال مختلفة من الكُتاب الفلسطينيين. كما يُتيح لنا هذا التنوّع، التعرّف على فترات زمنية مختلفة مرتبطة بتاريخ القضية الفلسطينية، (مثل: زمن الانتداب البريطاني، والنكبة، والنكسة، واتفاقية أوسلو)، مع تناول مواضيع متقاطعة، مثل: المنفى، والهوية، والعنف، والاحتلال، والتاريخ، والذاكرة.

كيف تروجن لنوادي القراءة هذه؟ وَمَنْ يحضرها؟

دناي ودانا: المكتبة هي المسؤول المباشر عن الترويج لهذه النوادي؛ فهي الفضاء المُحرّك للمجتمع. ومعظم المشاركين هم من أبناء المدينة نفسها، ومن سكان المناطق القريبة منها؛ إذْ تُنظّم النوادي مختلف أنحاء القرى الصغيرة في كتالونيا.

كيف تُنظمن نادياً للقراءة ليحقق نجاحاً مأمولاً؟ وما الفرق بين هذه النوادي والمحاضرات التي تُنظم في الجامعات؟ وكيف تتم الموازنة بين المناقشة والتوجيه؟

لا علاقة للبنية التفاعلية لمثل هذه اللقاءات ببنية المحاضرات الجامعية. فدورنا هنا هو التوجيه لا التعليم. وعادة ما نُحضر معنا مطبوعات مختلفة (مثل: الخرائط، الصور…الخ)، والتي تساعد على تعزيز النقاش وإثرائه داخل تلك الجلسات القرائية. ومن الجوانب الأساسية والمهمة في هذا، الاستماع الحقيقي للناس، عامة الناس: لمعرفة ما أعجبهم، وما لفت انتباههم، وما هي الأسئلة التي أثارتهم

دناي ودانا: لا علاقة للبنية التفاعلية لمثل هذه اللقاءات ببنية المحاضرات الجامعية. فدورنا هنا هو التوجيه لا التعليم. وعادة ما نُحضر معنا مطبوعات مختلفة (مثل: الخرائط، الصور…الخ)، والتي تساعد على تعزيز النقاش وإثرائه داخل تلك الجلسات القرائية. ومن الجوانب الأساسية والمهمة في هذا، الاستماع الحقيقي للناس، عامة الناس: لمعرفة ما أعجبهم، وما لفت انتباههم، وما هي الأسئلة التي أثارتهم…

وبالنسبة لنا، هذا أمر طبيعي؛ لأن الأدب الفلسطيني أصبح أدباً عالمياً؛ فهو مرتبط بتجارب إنسانية، يعرفها الناس مباشرة. ولذلك، نُحدد، عادةً، ثلاث أفكار رئيسية في كل جلسة، ونحضّر لها بعض المواد البصرية المُعززة لها. كما تجدر الإشارة إلى أنّ النقاش نابع من آراء المشاركين أنفسهم: فنترك ملاحظتهم وأسئلتهم هي الموجه الفعلي لخلق الحوار والنقاش. وبالتالي، فإنّ هذا التوازن بين البنية المرنة والحوار الذي يديره المشاركون أنفسهم هو الذي يجعل هذه النوادي تنجح إلى هذا الحد.

هل لديكنّ أيّ نصيحة لمن يريد إنشاء مشاريع مماثلة، حتى وإن كان في بلد آخر؟

. فهناك الكثيرون ممن يتشوقون للقراءة عن فلسطين، لكنهم يفتقرون إلى المساحة الكافية لفعل ذلك. فمن الضروري توفير تلك المساحة، التي تتيح لهم التعرف على ذلك العالم، والعيش في ذلك الفضاء، أدبياً وفنيّاً.
 

دناي ودانا: ننصح باختيار الكُتب المتنوعة في أساليبها وموضوعاتها؛ ليتمكن الناس من الاطلاع عليها، من آراء مختلفة، ووجهات نظر متعددة. ومن المهم جداً الاستماع الحقيقي إلى مساهماتهم وأسئلتهم؛ فقيمة المعرفة تكمن في الحوار الجماعي، وليس فقط فيما يُقدّمه منسق المشروع. والأهم من ذلك كله، هو التشجيع على فعل القراءة. فهناك الكثيرون ممن يتشوقون للقراءة عن فلسطين، لكنهم يفتقرون إلى المساحة الكافية لفعل ذلك. فمن الضروري توفير تلك المساحة، التي تتيح لهم التعرف على ذلك العالم، والعيش في ذلك الفضاء، أدبياً وفنيّاً.

ArabLit نُشر أصلًا في

في ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٥
ترجمة: حُسني مليطات

Hosni Mlitat es investigador, académico y traductor palestino especializado en crítica literaria, literatura comparada y estudios culturales. Doctor por la Universidad Autónoma de Madrid, actualmente es profesor asistente en la Universidad de Sohar, en el Sultanato de Omán. Ha publicado numerosos estudios revisados por pares en revistas internacionales, ha participado en diversos congresos académicos y ha traducido al árabe varias obras de pensamiento y literatura originalmente escritas en español entre ellas Cuando fuimos árabes de Emilio González Ferrín.


Para leer este artículo en español, haz clic aquí.


Para leer este artículo en catalán, haz clic aquí.